Uncategorized

القوة العربية المشتركة: من العدو؟

عبدالله عرفان

واشنطون دي سي

٣ إبريل ٢٠١٥

لا تأتلف الدول عسكرياً لقتال عدو غير واضح المعالم، ولا تستمر التحالفات طالما كان أعضاءها مختلفين جذرياً– حول كل شئ تقريباً. يحدد هدف الحلف سياسياً كانت أو عسكرياً كل تفاصيل استراتيجياته وتشكيلاته ومهامه، لكن تظل هناك قضية كبيرة قبل تحديد الهدف وهي تحديد المستهدف، أو العدو. تَشكل حلف الناتو لمواجهةِ عدو واضح ومحدد وهو الإتحاد السوفيتي وقتها، وهكذا تشكلت التحالفات الأمريكية الأوروبية لحرب أفغانستان بهدف القضاء على طالبان في ٢٠٠٢ والعراق بهدف القضاء على صدام في ٢٠٠٣ وأخيراً التحالف الدولي للقضاء على تنظيم الدولة فى ٢٠١٤. تختلف استراتيجيات التعامل مع الأعداء باختلاف الظروف، لكن تظل التحالفات العسكرية تدور حول تعريف العدو، وهو ما يغيب عن مشروع القوة العربية المشتركة. هل العدو هو إيران، أم الشيعة؟ هل العدو هو الربيع العربي، أم هو الإرهاب؟ لا إجابة واضحة، ولا يبدو أنها ستتضح قريباً.

الحقيقة الوحيدة التي تعكسها هذه الحيرة هي “عدم الاتفاق” بين دول تحالف عاصفة الحزم  التي تقودها السعودية لضرب الحوثيين وكلاء “ايران” والتى تريد مصر تحويلها إلى قوات عربية مشتركة لتستخدمها في ضرب “الإرهابيين” إسلاميي ليبيا. غياب عمان عن القمة يسحب من التماسك الخليجي، وتحفظ العراق ولبنان والجزائر على مشروع القوة العربية يعكس توجساً لإمكان استخدامها ضد سوريا أو ليبيا. كذلك من غير المتوقع أن توافق كلاً من السعودية وقطر مصر في تحمسها للتدخل في ليبيا كجزء من مهام القوات العربية المشتركة، وبالمثل لن توافق مصر على التدخل في سوريا. طاوعت مصر المملكة العربية بمشاركتها الرمزية في عاصفة الحزم أملا بجر رجلها إلى تشكيل قوات مشتركة، لكن الأمر يبدو ليس بهذه البساطة.

سيكون مستحيلاً إقناع السعوديين والمصريين بالتعاون في التدخل في ليبيا وسوريا معاً كحل وسط، لذلك ستلجأ السعودية لباكستان وتركيا لاستكمال عاصفة الحزم في حال نكوص مصر، و ستستمر مصر في التعاون مع الإمارات لدعم حكومة الثني في ليبيا في حالة نكوص السعودية عن الدعم. ماذا تبقى من القوات العربية المشتركة إذاً؟! في ظل وضع كهذا، ستستمر عاصفة الحزم بقيادة السعودية بغض النظر عن تحقيقها لأهدافها غير المُعَرَفَةِ، ولا يتوقع للقوات العربية المشتركة أن ترى النور بدون توافق، يبدو مستحيلاً، على تعريف العدو.

………………………………..

من قد يكون العدو للقوة العربية المشتركة إذن، هل هو إيران؟ قد ترى ذلك المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات بشكل قاطع، لكن الإجماع على كون إيران عدواً لن يتعدى تلك الدول. مثلاً، ترى قطر وعمان والإمارات إيران تهديداً يجب التعامل معه بكافة الوسائل، لكنها ليست عدواً. من غير المتوقع كذلك الحصول على تأييد لبنان والعراق ودول الوسط والغرب العربى على كون إيران عدواً يجب الحشد ضده بشكل دائم. قد يكون العدو هو الإرهاب أو حتى الربيع العربي وشبابه المخذول. مثل هذا الخيار سترحب به مصر وسوريا وحكومة الثني في ليبيا، لكنه من غير المتوقع أيضاً أن تستقر باقى الدول على مثل هذا التعريف الغامض والسائل للعدو. فالإرهاب قد يكون ببساطة أي جهة تقبع فى أى مكان بينما تفرق دم الربيع العربي بين القبائل. هذا النقاش حول الحرب على الإرهاب يفترض إمكان قتاله بالوسائل التقليدية ويفترض أيضا وجود سجل دولي ناجح في محاربته، وهو بالطبع غير متوفر بالنظر إلى التجربة الأمريكية في حربها الطويلة ضد الإرهاب منذ الحادى عشر من سبتمبر.

لا يمكن للعرب أن يتفقوا على العدو إذن. لكن فرضاً جدلاً أنهم قد اتفقوا على أى من إيران أو الإرهاب، فهل سيجدى إنشاء قوة عربية نظامية مشتركة فى دحر ميليشيات غير نظامية مدربة من قبل الحرس الثورى  الإيرانى، أو من قبل تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة المتمرس في حرب العصابات؟ هنا تبرز مدى قدرة الجيوش العربية على تشكيل قوات موحدة مدربة على التعامل بطرق حرب العصابات وهو ما فشلت في تحقيقه عبر محاولاتها مكافحة ما يسمى بالإرهاب على أراضيها، ناهيك عن التدخل فى أراضى الغير.

هل تتوقع عزيزى القارئ، مثلاً،  أن تتبع القوات المصرية أسلوباً آخر في اليمن غير الذي ما زالت تتبعه بإصرار في سيناء على الرغم من نجاحه فقط فى خلق بيئة مشجعة تتبنى الفكر المتطرف عبر استهداف المدنيين والعقاب الجماعي والقتل خارج القانون؟ هل تتوقع أن تستطيع القوات الأردنية تحقيق ما عجزت عنه في موطنها. من المتوقع أن يكون هناك ترحيب يمني أو سورى أو ليبي، على سبيل المثال، بالقوات في بداية انتشارها، لكن بعد بدء ارتكابها للأخطاء كما في بلدانها هل تتوقع أن يكون اليمنيين أكثر صبراً من المصريين على الانتهاكات؟ سريعاً سيتحول المدنيين، كما المسلحين، إلى أعداء للقوات العربية و ننزلق جميعاً إلى منحدر مدمر آخر.

في غياب تحديد العدو يصعب تحديد أهداف واستراتيجيات القوات ولعل هذا ما جعل الفقرات الخاصة بالمشروع غامضة بما يشي بأن إدراجها كان مجاملة لمصر لعقدها القمة. تضاربت التصريحات حول مسار العمل لبلورة “تصور” حول المشروع. فوفقاً لما رشح من تصورات، قبل نهاية إبريل الحالى يجب أن ينعقد اجتماع لرئاسات الأركان العربية لبحث المشروع والخروج بتصور، قبل نهاية يوليو، يبحث تشكيل القوات ومجلس قيادتها وآليات اتخاذ القرار فيها وعضويات الدول ومسؤولياتهم المالية والعسكرية–قضايا كثيرة و مستحيلة الحل في ظل عدم تحديد العدو. فعلى سبيل المثال، كيف يتم اتخاذ القرار داخل القوات، هل تكون اليد العليا لمن يدفع الأموال أم لمن يقاتل على الأرض، كيف يتم حسم الخيارات وترتيب الأولويات، ما هي حدود مسؤوليات كل دولة، وكيف يتم حساب تكاليف وأهمية المشاركات. كل هذه القضايا بالفعل معقدة وستزداد تعقيداً بين أطراف تضرب أزمة ثقة حادة بين أطنابهم.

………………………………..

بغض النظر عن العدو الذي سيتم الاستقرار عليه: إيران أو الإرهاب، فإنه يجدر التذكير قبل الحديث عن الحلول العسكرية –سواء في عاصفة الحزم أم القوة العربية المشتركة- بأن اللجوء للقوة هو لتعديل ميزان قوة مختل بغرض العودة إلى العملية السياسية. بهذا قد يكون من الأجدى للعرب أن يبحثوا عن الجذور السياسية والاقتصادية للمشكلات الحالية يحددوا مقدار وكيفية مساهمة الحلول العسكرية في اجتثاثها، لا فى تأجيجها.  حرى بالعرب أن يهتموا بتوجيه مجلس الوحدة الاقتصادية العربية للنظر في حل مشكلة “بطالة الشباب” المرتفعة في كل الدول التى يخططون للتدخل فيها لمكافحة “الإرهاب” بالتوازي مع جهودهم لإحياء اتفاقيات الدفاع المشترك. إن تعزيز الاستثمارات والبنية التحتية لليمن وليبيا وسوريا والعراق ولبنان لا بديل عنه على المدى الطويل للاستقرار فى هذه الدول، في حين أن الحلول العسكرية المجردة لن تنجح بدون مؤسسات سياسية تمثل الجميع و نجاحات اقتصادية توفر الوظائف للجميع.

إن الانخراط فى مواجهات مسلحة مع الشيعة وحلفاءهم في المنطقة سيلقيهم تدريجياً في حضن إيران، وكذلك فإن عدم التمييز بين التطلعات المشروعة للمشاركة السياسية وتجاهل المظالم الاقتصادية والمادية للشعوب وخلطها بالإرهاب قد يحولهم لإرهابيين بالفعل، وهو ما سيكون نتيجة حتمية للإعتماد على الحلول العسكرية منفردة. لذلك فإن رعاية حلول سياسية للمشكلات الحالية هو الحل الأمثل لكسب المعركة على المدى الطويل. و إذا كانت هناك من حاجة لحلول عسكرية فلن تكون عن طريق القصف الجوى الذى يسقط ضحايا مدنيين أو حتى التدخلات البرية التقليدية التي توسع نطاق المواجهات بشكل غير محدد، بل عن طريق قوات خاصة مدربة على حرب العصابات تقوم بتنفيذ مهام نوعية بالإضافة إلى تسليح وتدريب ميليشيات محلية للدفاع المدني عن المناطق. هذه القوات تحتاج إلى غطاء سياسي يوفره دعم السكان في مناطق التدخل وهو لن يكون بدون دعم تنموي لخلق الوظائف وتأهيل البنية التحتية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s