Uncategorized

المحكمة الجنائية الدولية: كلنا مسيسون يا عزيزى

عبدالله عرفان

 واشنطون دي سي

٣٠ يونيو ٢٠١٥

حَدَثين بدوا متفرقين لكن بينهما الكثير من المتشابهات: أولهما كان محاولة القبض على عمر البشير في جنوب إفريقيا في منتصف يونيو، وثانيهما كان تقديم فلسطين ملف انتهاكات إسرائيل للمحكمة الجنائية الدولية  منذ أيام. انتفاضة مفاجأة لأجهزة العدالة الدولية تُجدد الجدل حول جدواها ومستقبلها بعد ثلاثة عشر عاماً على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية. حتى قبل إنشائها بكثير، شكك الكثيرون في فعالية المحكمة وقدرتها على إنفاذ قراراتها وإنهاء حصانة المجرمين والقتلة من مرتكبي جرائم الإبادة والتطهير العرقي وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعدوان. لم تخل الانتقادات أيضاً من شبهة تسييس قرارات المحكمة واستغلالها من قبل القوى العظمى لتحقيق أهدافها الاستعمارية القديمة عبر وسائل جديدة. تشير الأحداث الأخيرة إلى الحاجة إلى مراجعة مفهوم الفعالية وكذلك التفكر فى حقيقة التسييس و الحياد المطلق.

تنبع مشكلة المحكمة الجنائية الدولية من ارتفاع سقف توقعات مناصريها من قدرتها على ملاحقة مرتكبي جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ووضعهم خلف القضبان. قد يصعب من الأمر عدم انضمام جميع الدول لمعاهدة روما المنشئة للمحكمة، لكن المشكلة الأكبر تأتي من حقيقة عدم تعاون الكثير من الدول الأعضاء مع المحكمة. على الرغم من هذه الحقيقة الجلية، يحلو للدول الأعضاء إلقاء اللوم دوماً على الدول الكبرى بتهمة التآمر واستخدام المحكمة كمطية لتنفيذ أجندتها الدولية ناسيين حقيقة تلاعبهم هم أيضاً بالمحكمة وفقاً لما يرونه محققاً لمصالحهم. يعتبر تدخل حكومة جنوب إفريقيا للإفراج عن عمر البشير وتهريبه خارج البلاد مثالاً عن كيفية تلاعب دولة عضو بالمحكمة بالتزاماتها الدولية أمام اتفاقية روما لأجل تحقيق نفوذ إقليمي فى الإتحاد الإفريقي. فى المقابل من ذلك يشير تحويل دولة فلسطين، المنضمة للمنظمة فى إبريل الماضى، ملف انتهاكات اسرائيل فى غزة بالإضافة إلى الاستيطان والأسرى فى السجون الإسرائيلية لينظر أمام المحكمة إلى وجه آخر للمحكمة من جهة استخدام أدوات ومؤسسات العدالة الدولية لوضع حد للانتهاكات الإسرائيلية.

…………………………………….

بدأت قصة البشير مع المحكمة الجنائية الدولية عندما اتكأ مجلس الأمن الدولي على مادة تتيح إحالة المتهمين بالجرائم التى تختص بها المحكمة إليها للنظر فيها بدون الحاجة أن يكون المتهم من دولة عضو بها لإصدار أمر توقيف بحقه. بهذا وجد عمر البشير نفسه ملاحقاً من قبل المحكمة بتهمة التطهير العرقي في دارفور وهو ما يعني ضرورة تعاون الدول الأعضاء في تسليمه لها لإتمام إجراءات التحقيق معه والنظر فى توجيه اتهام والمضي فى إجراءات التقاضي وذلك على الرغم من كون السودان ليست عضواً بالمحكمة. أثار القرار عاصفة من التساؤلات حول مصداقية المحكمة واستخدامها كأداة للقوى الإمبريالية لمعاقبة من تراه مخالفاً لإرادتها من الحكام.  فى مقابل هذا الغبن، تضامن الاتحاد الأفريقي الذي يضم ٣٤ دولة عضو فى المحكمة مع السودان ورفض التعاون معها فى تسليمه.

تفاقمت المشاعر تجاه المحكمة عندما رفض طلب الإتحاد الإفريقي بإسقاط التهم عن البشير وإلغاء قرار إعتقاله. ساهم في تجييش الإحتقان الأفريقي تجاه المحكمة إزدياد عدد القادة الأفارقة الملاحقين من قبلها حيث وصل إلى ٣٢، من بينهم الرئيس الكينى الحالي ونائبه الأول، ومن هنا صعد الإتحاد مطالبة لتصل إلى إلغاء المحكمة من الأصل. ينظر الأفارقة حولهم فلا يجدون غَيرهم ملاحقين على الرغم من كونهم يمثلون فقط ربع عدد أعضاء المحكمة البالغ عددهم ١٢٣ دولة. لأول وهلة قد يبدو أن الأفارقة فعلاً مستهدفون، لكن عند النظر فى حقيقة أن القارة السوداء بالفعل هى مصدر لكثير من الانقلابات العسكرية الدموية والمذابح الشنيعة يمكننا تفهم إرتفاع عدد الملاحقين. كما أن حقيقة كون القادة الملاحقين مذنبين من عدمه قد تختفي أمام حقيقة أنهم أيضا يلعبون لعبتهم السياسية الضيقة ويتلاعبون بالمحكمة، بالضبط كما تفعل القوى التي يسمونها إمبريالية ومتحكمة.

يبرز هذا الملمح جلياً فى واقعة هروب عمر البشير الأخيرة من جنوب إفريقيا يوم ١٥ يونيو. فمراراً وبشكل علني تعهدت جنوب إفريقيا بتنفيذ قرار المحكمة الجنائية الدولية بالقبض على عمر البشير بتهمة التطهير العرقى وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وكانت على وشك تنفيذ ذلك فعلاً عندما حضر البشير قمة الاتحاد الافريقي السنوية هناك يوم ١٤ يونيو. فى ذلك اليوم أصدرت محكمة جنوب ولاية جاتنج العليا قراراً بتوقيف البشير مؤقتا لسماع أقواله بخصوص طلب إعتقاله. سارت الأمور فى مسارها الطبيعي باتجاه اعتقاله وتسليمه، لكن في يوم ١٥ يونيو تغير الموقف تماماً. تمكن البشير من الإفلات عندما ساعدته السلطات الجنوب إفريقية على استخدام مطار عسكرى للعودة إلى السودان وذلك بعد خداع محامية للسلطات بطلبهم تأجيل الجلسة لمدة ساعة فقط للإطلاع على أوراق القضية. إنجازات جنوب إفريقيا  بخصوص هذه القضية إلى حساباتها الساعية إلى الريادة الأفريقية عبر تعزيز تفاهم الإتحاد الأفريقي للتقليل من أهمية المحكمة الدولية ودورها على حساب قيم حقوق الإنسان والتزامها كدولة عضو فى المحكمة. هنا يظهر بوضوح أن الدول الصغيرة والمتوسطة قد تستخدم المحكمة لأغراضها عندما تريد وتتجاهلها عندما تريد، بالضبط كما الدول العظمى.

…………………………………….

بهذا المفهوم يجب على الفلسطينيين التعامل مع المحكمة لنيل حقوقهم، وإن لم يكن حمايتها من النسيان. من المشكوك فيه بالطبع أن تخضع إسرائيل لطلبات المحكمة بالتحقيق مع قادتها بخصوص الاتهامات الفلسطينية. كذلك من غير المتوقع أن يكون هناك تعاون من الدول العظمى مع المحكمة لإخضاع اسرائيل لها. هذه الحقيقة لا يجب أن تلهينا عن مكاسب أخرى كثيرة من هذا التحرك الهام. فقد تستطيع إسرائيل التهرب من مقابلة مسؤولي المحكمة لكنها لن تستطيع منع الفلسطينيين من عرض قضيتهم أمام العالم وإظهار عدالتها. كذلك لن تستطيع منعهم من إقامة الحجة والفوز بعقل الرأي العام العالمي وعدم الإكتفاء بقلبه. فى هذا السياق لا يجب الخلط بين ضرورة الاستفادة من كل المسارات المتاحة لجلب الحق الفلسطيني وبين التركيز على أحدها واستبعاد ما عداه.

فلتُسَيس فلسطين المحكمة لصالحها مقابل تجاهل إسرائيل لكل المطالب الفلسطينية المشروعة. هذا التجاهل النابع من رعب حقيقي من تداعيات احتمال ملاحقة المحكمة قياداتها العسكرية وحتى السياسية في لحظة ما فى المستقبل. وليس بأدل على هذا الرعب من تصريحات أفيجدور ليبرمان العدوانية ضد المحكمة ومحاولة إسرائيل تدمير المحكمة وتشويه صورتها وقطع التمويل عنها. ليست فلسطين بأقل من جنوب إفريقيا حتى لا تستخدم المحكمة لخدمة سياستها الخارجية وليست كذلك بأقل من الدولة الكبرى حتى لا تستخدم التسييس المضاد لمحاولاتهم حماية إسرائيل، كالعادة، من عواقب جرائمها المعتادة. ففى هذا العالم المتوحش إذا لم تستطع تغيير القواعد فما عليك سوى اللعب من خلالها للوصول لأهدافك، ولا ملامة.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s