Uncategorized

اليمن: أقل من عاصفة وأكثر من تفاوض

عبدالله عرفان

واشنطون دي سي

١٠ مايو ٢٠١٥

و ها قد خمدت عاصفة الحزم ببيان كما هبت ببيان، لا ندرى لم بدأت ولم انتهت ولا ماذا حققت، لكننا على يقين بأن الطريق مازال طويلاً لتحقيق الاستقرار والرخاء فى اليمن. سيستغرق العرب بعض الوقت قبل أن تتضح الرؤية بعد تساقط الغبار، لكن على أى يَمنٍ سيصبحون؟ هل هو يمن ما بعد الاتفاقية الخليجية فى ٢٠١٢ الذى يستبعد صالح والحوثيين والشباب أم يمن جديد يستوعب الجميع عبر بناء الدولة ومكافحة الفقر والمحسوبية والفساد. مازال الحوثيون يسيطرون على محافظات كثيرة فى اليمن ولا يظهر أفق لدفعهم للعودة إلى صعدة والتفاوض على مطالبهم إلا ببذل كثير من الصبر وإظهار غير قليل من الدهاء والجدية. لن يحمل التدخل العسكرى البرى الحوثيين وحلفاءهم على ترك السلاح بمثل ما سيحملهم تقديم مبادرات سياسية جدية تحقق لليمنيين كافة إطاراًَ للحل ومبعثاً للأمل.

تستمر الاشتباكات بين الحوثيين وأنصار الرئيس هادي حتى لحظة قراءتك هذه السطور عزيزى القارئ، هناك فى صنعاء وعمران والجوف وعدن وغيرها مازال الحوثيون مسيطرين ومازالت رحى الحرب دائرة بمعزل عن بدء العاصفة أو عن نهايتها. قد يتوقع البعض اختفاء هذه الاشتباكات بعد استنفاذ الحوثيين أسلحتهم التي استولوا عليها من الجيش، لكن ماذا عن الانسحاب من مواقعهم وماذا عن باقى قوتهم السياسية التى بنوها على أنقاض الدولة المختفية أصلاً؟! بغض النظر عن مطالب الحوثيين السياسية وبفرض تلبيتها بالكامل، ستظل مشكلة هشاشة الدولة اليمنية وتعاسة أهلها هى أم المشكلات التى لن تنهيها عواصف ولن تخفيها مفاوضات.  

سيتوقف التقدم فى حل مشكلات اليمن المزمنة على موقف دول الخليج من الشراكة السياسية ومحاربة الفساد وبناء المؤسسات فى اليمن والذي سيتطلب الكثير من الجهود الدبلوماسية والسياسية وأحياناً والعسكرية. من أجل هذا، يتيح فتح باب التأهل للإنضمام لمجلس التعاون الخليجي أمام اليمن إطاراً مناسباً لإعادة الإعمار مع خلق مصادر مستدامة للأمل والشراكة مع اليمنيين تعفيهم من الانزلاق إلى قرار الفشل وتمنع إيران من التوغل فى نسيج المنطقة.

………………………..

قد يدعى طرف الانتصار منفرداً، لكن يظل اعتراف المهزوم بالهزيمة هو الحاسم فى منع اندلاع الحرب مرة أخرى. لم يعترف الحوثيون بهزيمتهم أمام العاصفة بعد وهو ما يعنى طريقاً طويلاً من التفاوض وإمكان العودة إلى القتال مرة أخرى. يعرف السعوديون ذلك لكنهم يبدون حائرين أمام حقيقة تخاذل باكستان ونكوص مصر عن وعود بالمشاركة البرية. لا توجد أوراق تفاوض حقيقية للسعوديين فى القضية اليمنية بعد وضوح قصور قوتها العسكرية فى كسر شوكة الحوثيين. نعم، لقد تم تدمير الكثير من الأسلحة والعتاد الثقيل التابع للجيش اليمنى، لكن كل هذا فقط سيمنع أى تهديدات للمملكة وليس له علاقة مباشرة بموازين القوى على الأرض التى لا يظهر أنها تغيرت كثيراً.

مازالت قوة الحوثيين التفاوضية كما هي تقريباً من جهة انتشارهم فى ربوع اليمن بأسلحتهم وسيطرتهم على المناطق الحيوية فى العاصمة وغيرها من المدن الرئيسية. يستمد الحوثيين قواتهم أيضاً من ضعف التحالفات المضادة لهم، حيث لا يظهر حزب الإصلاح والقبائل حماساً كبيراً فى قتالهم ولا يظهر أثر لتقليص انتشارهم خارج حدود مناطق نفوذهم التقليدية فى الشمال. قد تراهن دول الخليج على استنزافهم عسكريا بدعم مناوئيهم ومنع وصول إمدادات لهم عبر إحكام الحصار البحرى واستمرار الضربات الجوية، لكن كل هذا قد لا يفضي بالضرورة إلى انسحابهم إلى الشمال والأهم إخلائهم لمواقعهم فى العاصمة صنعاء. فى ظل استبعاد خيار التدخل البري واللجوء للتفاوض فى ظل خلل التوازن القائم ستكون مخرجات العملية التفاوضية منحازة بشدة للحوثيين، وهو ما يعنى استمرار عدم الاستقرار.

لحس الحظ أن الحوثيين لا يملكون تأسيس وضع حزب الله اللبناني فى اليمن لسببين، أولا/ عدم وجود تهديدات خارجية تبرر تسليحهم خارج الدولة، و ثانياً/  انحسار قاعدة تأييدهم خارج مناطق نفوذهم فى الشمال– وهو ما يعنى مهمة أسهل وأسرع لجلب الاستقرار فى اليمن عن لبنان. تفيد هذه الحقائق أن منطلق تسليحهم هو ضعف الدولة وتهاوى الجيش وسلطته وأن منطلق انتشارهم هو انشغال باقى الأطراف بنفسها أو بعدم حماسها لكل الصيغ المطروحة. هنا تكون مهمة عملية إعادة الأمل هي خلق نظام سياسى واقتصادى يحقق الاستقرار فى اليمن عبر عملية ديمقراطية توافقية تستوعب المهمشين سياسيا واقتصاديا وتجعلهم شركاء فى صنع مستقبل اليمن. هذه المهمة لن تتحقق بدون دعم إقليمي مؤسسي وجاد وهو ما قد يتمثل فى دعوة اليمن للانضمام لمجلس التعاون الخليجي، وبدء عملية تأهيلها سياسيا واقتصاديا وأمنيا لذلك عبر مسار معلن وواضح.

………………………..

مهما كانت المحاولات لتهدئة الوضع فى اليمن ودعم شرعية الرئيس هادى منصور فلن تنجح بدون معالجة المشكلات الحقيقية وراء الاضطراب والفراغ. لو يتذكر القارئ العزيز أن جلسات الحوار الوطنى لم تبدأ فى ٢٠١٢ مع الرئيس هادى لكنها بدأت فى ٢٠٠٧ مع المخلوع صالح بِنية النظرِ فى المظالم وكتابة دستور جديد لَعَلِمَ أهمية الأمر وخطورة تجاهله بالانشغال عن بناء الدولة بالضربات الجوية. يجب أن نتعلم من أخطاء على عبدالله صالح،  فعدم الجدية والمخاتلة والتأجيل والمساومة كانت كفيلة بانفجار الوضع فى ٢٠١١ واستمرار نفس المشكلات مع عدم وجود الدعم الخارجي كان كفيلاً بتدهور الوضع إلى ما نشهده الآن.

تتطاير كلمات هنا ووعود هناك عن خطط طموحة لإعادة الإعمار، لكن بدون وجود مؤسسات متخصصة وإطار إقليمي لهذه الجهود فلن تكون أفضل حظاً من وعود سابقة سئم اليمنيون سماعها. من أجل طمأنة اليمنيين وتحميسهم للمشاركة فى  مستقبل النظام السياسى فهم يحتاجون أن يروا خطوات عملية على شاكلة تشكيل هيئة لتأهيل اليمن للانضمام لمجلس التعاون الخليجي وملحق به صندوق لتمويل المشروعات بمبالغ معلنة، ولو بشكل أولي، مع جهاز تنفيذى يشرع فى تحقيق هذه الوعود إلى خطط ومشروعات برسم التنفيذ. مل اليمنيون تدخل الآخرين في شؤونهم لحماية مصالحهم الخاصة وهو ما قد يفسر تململهم من الوضع برمته. قد يحتاج الخليج إلى ما هو أقل من التدخل العسكرى لكنه أكثر من مجرد التفاوض السياسى لكسب ثقة اليمنيين واقناعهم بدعمه فى وقف نفوذ إيران. فبدون خطوات فعلية وسريعة تجاه عموم اليمنيين قد يكون من الصعب إقناع الكثير منهم بأن نتيجة أي حرب أو تفاوض ستجلب لهم أي خير وهو ما سيطول الطريق أمام الخليجيين بإحالة كل نتائج الضربات الجوية والمفاوضات إلى سراب يحسبه الظمآن ماء.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s