Uncategorized

جنيف ثلاثة ومستقبل الأسد

عبدالله عرفان

واشنطون دي سي

٢٦ مارس ٢٠١٥

قد يكون من المجدي للسوريين أن يحددوا هم أجندة التفاوض وشروطها التي تحقق أهداف ثورتهم بدلا من الجدل حول مغزى تصريحات جون كيرى حول التفاوض مع الأسد. إن قيادة المعارضة السورية لجهود إحياء العملية السياسية الميتة بعد مؤتمر جنيف الثاني في فبراير ٢٠١٤ هو الطريق الوحيد لمنع فرض أى حلول غير مرضية للقضية السورية. تحتمل تصريحات جون كيرى الأخيرة تأويلات متعددة تعتمد على حسن أو سوء الظن به وبإدارته، لكن لن يستطيع السوريون منع تداعيات نتائج أي حوار مع الأسد أو استغلال أي فرص قد تنجم عنه سوى بمسارعتهم للدعوة لمؤتمر جنيف ثلاثة وترويجهم لمبادرة سياسية شاملة تشكل مرجعية لأي مفاوضات أو حوارات منفردة مع النظام أو رأسه. يستطيع السوريون تحقيق أكثر من مجرد الإطاحة بالأسد، رغم إحباطات الوضع القائم الظاهرية، بمزيد من توحيد الخطاب وتنسيق الجهود المحلية والدولية بين معارضي النظام وتفعيل دبلوماسية نشطة في العواصم العالمية لمنع الوصول إلى أى اتفاقات على حساب الشعب السوري وثورته.

تستغرق المشكلات والصراعات الكبرى وقتاً طويلاً لحلها عبر اجتماعات ومؤتمرات تنجح أحيانا وتفشل كثيراً. في كثير من الأحيان قد لا يمكن تقييم جولات الحوار والتفاوض، لكننا نعرف أنها تحتاج إلى صبر وأناة وطول نفس. فى كل جولة تتحلحل عقدة، وفي كل جلسة تتضح  أبعاد المشكلة، وفى كل فشل تنعقد العزوم على محاولة تلافي أخطاء الماضي في الجلسات المقبلة.  في اللحظة التي تقرأ فيها هذا المقال عزيزى القارئ هناك مفاوضات ماراثونية مستمرة منذ سنوات فى النرويج لحل أزمة الفلبين مع جبهة تحرير مورو الإسلامية، وهناك مفاوضات في كوبا لحل أزمة ثوار الفارك في كولومبيا، ومفاوضات في هولندا لحل أزمة الحكومة النيبالية مع الثوار الماويين، ومفاوضات في المغرب لحل أزمة ليبيا، ومفاوضات في بروكسل لحل أزمة ديون اليونان. أزمات سياسية واقتصادية مختلفة بأعمار تتراوح بين بضعة أشهر في حالة اليونان وليبيا وأكثر من خمسون عاما مثل أزمة ثوار الفارك في كولومبيا، كلها متعددة الجلسات وكلها لم ولن تحل من جولة واحدة وكلها لم توقف القتال الدائر حتى يتم الإتفاق على ذلك. إن إحياء المسار التفاوضي للقضية السورية لا يجب أن ينظر إليه على أنه خصم من المسار العسكري، حيث أن كلاهما مكمل ومعتمد على الآخر لتحقيق أهداف الثورة.

فى هذا السياق، لا يجب أن تكون دعوات جون كيرى وزير الخارجية الأميركي إلى التفاوض مع الأسد مثار صدمة وذهول من المعارضة السورية– على الرغم من تفهم دوافع ذلك الغضب. لم يترك لنا السيد كيرى أى فرصة لإحسان الظن به ولكننا سنفعل، ليس من باب الحرص على مشاعره، لكن فقط كمحاولة موضوعية لفهم مسارات الأحداث المحتملة وتوخى سبل التفاعل معها. قبل الحديث عن إحسان الظن، ربما يجدر تناول كيفية إساءة الظن بنواياه حول التفاوض مع الأسد. فى الحقيقة التفاوض قد لن يكون مع الأسد، بل قد يكون مع إيران. أسوأ السيناريوهات بالنسبة للسوريين هو أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات عن إيران مقابل ضمانات بعدم تحول مشروعها النووي إلى قنبلة قريباً. ويعقب ذلك تخلي إيراني عن الأسد ومشاركتها في إدارة عملية التحول في سوريا ومحاربة الإرهاب. يبدو هذا السيناريو غير محتمل التحقق من جهة عدم إمكان وقوعه أصلاً، ومن جهة قوة رد الفعل عليه بما يحيله إلى وهم وتهيؤات. اختفاء  الأسد ورعاية إيران للتحول سيعيد إنتاج نظام أقلوي غير مستقر سياسيا ومن المتوقع أن يكون غير مرغوب أمريكيا أيضاً. لن ترضى أمريكا لإيران أن تسيطر على سوريا ولبنان وهما على حدود إسرائيل. فمهما كانت الضمانات التي سيقدمها الإيرانيون، لن تكون مطمئنة لا للأمريكان ولا للإسرائيليين. من جهة أخرى، لا يتوقع أن يقف الأسد متفرجاً وهو يرى حلفاءه يضحون به عند أول منعطف لتحسين العلاقات مع الأمريكان، وبالأحرى لا يتوقع أن يقبل أى من الفصائل السورية المسلحة ولا حلفائهم الاقليميين بمشهد ترسيخ إيران لأقدامها في المنطقة برعاية دولية.

دعنا نحاول مناقشة مسارات حسن الظن إذن بعد مناقشة مسارات سوء الظن بتصريحات كيرى. قد تكون نوايا الأمريكيين هي إحداث انشقاقات داخل دائرة النظام الضيقة عبر إغراء الأسد بالجلوس على الطاولة. فمن ناحية فهو إن استسلم للضغوط سيبدو ضعيفاً أمام قرنائه، ومن ناحية أخرى إن لم يستسلم سيبدو مفلساً في ظل انفلات زمام الأمور منه لصالح الإيرانيين. كلا المسارين من المتوقع أن ينتجا شرخاً بين مقربيه حول قضايا المشاركة وعدمها، وتكتيكات واستراتيجيات المشاركة في حالة حدوثها. يدلل الأمريكان على هذا المنطق بوجود أخبار عن تصفية مقربين من الأسد مثل رستم غزالي ورفيق شحادة وغيرهم. هم يرون أن جر الأسد لعملية تفاوضية، بغض النظر عن نتائجها، هي هدف فى ذاتها لتفكيك دائرة الأسد المقربة ومن ثم إزاحته.  بإزاحة الأسد والحفاظ على الحكومة يمكنهم تحقيق انتقال منظم للسلطة وتفادي انهيار الدولة وبالتالي منع داعش من السيطرة على سوريا بعدما سيطرت على العراق كما عبر عن ذلك جون برينان رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية. لا يمكن في الحقيقة الإطمئنان إلى أن الأمور ستسير بمثل هذه السلاسه، لكن الفكرة وجيهة في ذاتها وتستحق التجربة.

على الرغم من أن هذا قد يكون مطمئنا بعض الشيء لجهة عدم قدرة الولايات المتحدة على فرض حلول على السوريين بدون موافقتهم، إلا أنه مازالت قيادة عملية التفاوض ليست في يد السوريين. السوريون مدعوون دائماً إلى موسكو أو القاهرة أو جنيف. الداعي دوما يحدد الأجندة وفقاً لمصالحه وعلى المعارضة القبول أو الرفض، وفقاً لتوازناتها. تخاطر المعارضة السورية بالتخلي عن تفاصيل انتقال السلطة في حالة كونهم بعيدين عن طاولة التفاوض مع الأسد في حالة انخراط الأمريكان والإيرانيين في الحوار حول مستقبله. لا حل أمام المعارضة إذن سوى المبادرة بتبني مسارها التفاوضي الذي تفرضه على الجميع.  لكن كيف للمعارضة السورية أن تضمن أن مسار التفاوض دائما في مصلحتها، وهل يمكن قلب الكفة والمبادرة بالتخطيط والتنظيم للتفاوض من قبل المعارضة، بشروط المعارضة ولمصالح الثورة؟  نعم، إذا تمكنت المعارضة من توحيد خطابها وتنسيق مواقفها مع القوى الداعمة وتفعيل دبلوماسية نشطة في العواصم المؤثرة قد تتمكن من  بلورة اتفاق دولي على عقد مؤتمر جنيف ثلاثة قبل نهاية هذا العام. تصبح الأولوية الآن في حال الاستقرار على أهمية المبادرة وقيادة جهود التفاوض لمناقشة الحضور وأجندة النقاش في المؤتمر.  هناك قضايا شائكة كثيرة ستواجه الجميع متعلقة بتمثيل المعارضة والنظام وحلفاء كل طرف وتصورات الانتقال للمستقبل عبر تحقيق العدالة وضمان عدم تكرار مآسي الماضي، لكن يجب تذكر أن هذه هي طبيعة التحولات الاجتماعية العنيفة وهذه هي أثمانها.   

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s