Uncategorized

حزم العرب وعزم إيران

عبدالله عرفان

واشنطون دي سي

٣٠ مارس ٢٠١٥

تتجاوز إيران بتمددها الحالي فى اليمن حدود الإمبراطورية الصفوية لتحقق تماساً تاريخيا مع حدود الإمبراطورية الساسانية التي شهدت أكبر تمدد فارسى خارج حدود إيران الحالية منذ الإمبراطورية الأخمينية في القرن الثالث قبل الميلاد. تبدو قواعد الجغرافيا حاكمة في إعادة التاريخ لوقائعه، ففي غيبة العرب قديماً تحكم الساسانيون في اليمن عبر وسطاء محليين في إطار تنافسهم مع الرومان على مسارات التجارة إلى الهند. لم ينحسر نفوذ الفرس في اليمن وقتها نتيجة لجهودهم الذاتية، لكن حدث ذلك  فقط بعد صلح الفرس مع الرومان وسط غياب العرب عن المشهد في نهايته كما كانو فى بدايته. يبدو مسار الحوثيين في السيطرة على اليمن ب”عزم” إيراني  في ظل رخاوة العرب مألوفاً إذاً، باستثناء “الحزم” الأخير المتمثل فى الضربات الجوية على مواقع الحوثيين في اليمن.

لا يبدو أن إيران قد نجحت في “عزمها” وطول نفسها على فرض نفوذها فى اليمن عن طريق إنقلاب الحوثين عسكريا على النظام السياسي والرغبة في السيطرة منفردين على كامل تراب اليمن، ومن غير المتوقع كذلك أن ينجح “الحزم” العربى وحده في استعادة اليمن بالضربات الجوية والتدخل العسكرى إلا بتحوله إلى “عزم” “حازم.” يحتاج التحالف العربي إلى تبني عملية سياسية وتنموية شاملة من أجل ضمان نجاح الجهود العسكرية القائمة. إن تواجد إيران الحالي في اليمن عبر الحوثيين مرتبط بخيال إيراني إمبراطوري بالإضافة إلى فراغ في الإقليم يحتاج من العرب إلى ماهو أكثر من الأموال والضربات الجوية لملأه بفعالية. تعتمد إيران على القوة العسكرية لفرض نفوذ سياسي و ثقافي ومادي فى آن واحد من الشام إلى العراق وإلى اليمن مؤخراً، وللعرب من أجل أن ينجحوا فى اليمن أن لا يغفلوا الأبعاد السياسية والتنموية بينما يمارسون التدخل العسكري.

على الرغم من أهمية هذه الضربات، إلا أنها لا تمثل ضمانة لاستعادة الاستقرار في اليمن، ناهيك عن إمكان تحويلها بالفعل لمكسب إيرانى نتيجة لتركيز العرب على ردود الفعل قصيرة المدى. تكمن فعالية التدخل العربي في توجيه العمليات العسكرية في اتجاه خلق توازن صلب داعم لعملية سياسية تحقق تمثيلا سياسيا واقتصاديا عادلاً لجميع مكونات الشعب اليمني وبناء مؤسسات تتيح حل الاختلافات اليمنية داخليا مما يقطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية مستقبلية. إن تحول العمليات العسكرية إلى هدف فى حد ذاته سيطول الفوضى ويسهل انزلاق البلد إلى حرب أهلية وبالتالي يتحقق لإيران موطئ قدم مستدام في اليمن. من أجل استعادة زمام المبادرة والتوقف عن التحرك كرد الفعل، يجب على التحالف المنخرط في ضرب الحوثيين الإعلان عن عملية سياسية شاملة تمثل أملاً لجميع اليمنيين، وعن حزمة مساعدات تنموية تنتشل اليمنيين من دوائر الفقر والإرهاب القاتلة.

………………………………

تتجاوز مشكلة العرب مع إيران بالتأكيد تمددها الحالي فى اليمن إلى قضية مزجها لما هو إمبراطوري فارسي بما هو إسلامي ثوري مع ما هو إيراني قومى. مثل هذا الخليط يعقد علاقة إيران مع العالم، بما فيهم العرب. لم يكن انقلاب الحوثيين أول المشكلات مع إيران لكن بالأحرى أحدثها، ولن تكون آخرها. الممارسات الإمبراطورية الطائفية الإحلالية في الشام والعراق تقود المنطقة إلى الإشتعال لغير مصلحة جميع الأطراف، فى النهاية. مثل هذا السلوك الإمبراطوري التوسعي يثبت مقولة المؤرخ البريطانى مايكل إكسورثى مؤلف كتاب إيران: امبراطورية العقل بأن مشكلة إيران تتمثل في “إدراكها لذاتها باعتبارها مركزية ثقافية ولغوية مرتبطة بجنس الفارسيين وحدودهم التاريخية.”

بلغت هذه الحدود التاريخية أوجها فى عهد الساسانيين التي شملت كل الجزيرة العربية والشام والعراق والقوقاز وأجزاء من تركيا واليمن وباكستان. على الرغم من ترامي أطراف الإمبراطورية الساسانية،  لم يقنع هذا حكامها وظلوا طوال الوقت يحاولون إخضاع الروم والصينيين والقبائل الآسيوية. في هذا السياق يحكى أنه في قاعة القصر الفسيحة في قصر الإمبراطور الساساني في القرن السادس كانت هناك مقاعد فارغة مخصصة لإمبراطورى روما والصين وقادة القبائل وسط آسيا كرمزية لاقتراب خضوعهم لسيطرة ملك الملوك الساساني. مثل هذه الإدراك المتضخم للذات مع قدرات مالية وعسكرية كبيرة يحتاج إلى معالجة شاملة على نفس المستوى.

في القرن الحادي والعشرين، وفي ظروف إقليمية ودولية تختلف جذرياً عن تلك في عصر الساسانيين، تريد إيران العودة إلى الماضي بحذافيره. في ظل نظام دولي لا يعترف بضم الأراضي بالقوة ويتعامل مع الدول فى حدود معترف بها ويمنع تدخل الدول القوية في شؤون الدول الضعيفة ولا يحبذ الاستيلاء على الحكم عن طريق استخدام القوة تبدو إيران شاذة وسيتم التعامل معها باعتبارها مصدراً للاضطرابات، لها وللجميع.  لا يمكن لأحد منع القوة الإيرانية الناعمة المتمثلة في الثقافة واللغة ونظم الإدراة من الإنتشار في الإقليم بشكل تنافسي حضاري وحميد مع باقي الثقافات العربية والتركية وحتى الغربية، لكن موازاة التمدد الثقافي بالتمدد العسكري المادي قد يحرمها من كلاهما.

………………………………

بعيداً عن الحسابات الإستراتيجية لإيران من تدخلاتها في الشام والعراق واليمن، فإنها بالفعل تدمر إمكانيات توسعها الثقافية بتدخلاتها العسكرية. تستطيع إيران أن تحقق بقوتها الناعمة ما لن تستطيع بقوتها الصلبة، كما يؤكد مؤلف كتاب انتقام الجغرافيا روبرت كابلان. لن تستطيع إيران قط إقناع العرب بما يدور فى خيال الفرس من أوهام تفوق حضاري عن طريق مليشياتها وعساكرها بمقدار ما قد تستطيع تحقيق ذلك عن طريق شعرائها وعلمائها وفنانيها. كما لن يستطيع العرب حفظ اليمن بمجرد الانتفاض العسكري المؤقت ما لم يستعدوا بالسياسة والتنمية طويلة الأمد لما هو أبعد من العسكري والمادي قصير الأمد.

في بلد كاليمن لا يمكن تجاهل الفقر المتفشي والبطالة المرتفعة و الفساد الضارب في عمق المجتمع كأسباب أساسية لعدم الإستقرار. يجب أن تكون القوة العسكرية العربية داعما لعملية سياسية تستوعب الجميع بما فيهم الحوثيين باعتبارهم أحد مكونات الشعب اليمني. إن أى إقصاء للحوثيين سيشرعن للتدخل الإيرانى باعتبارهم فئة مستضعفة. لذلك فإن إدماجهم في النظام الجديد، بعد نزع سلاحهم  بالتوازى مع الشروع في حلول جدية لمشكلات الأمن والتنمية، سوف يسحب البساط من تحت دعاويهم الثورية. يستطيع العرب وقف العزم الإيراني فقط عن طريق “حسم” خلافاتهم والحضور بفعالية في صناعة مستقبل أفضل لجميع اليمنيين.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s