Uncategorized

دوائر واشنطن المفرغة ورمال الشرق الأوسط المتحركة

عبدالله عرفان

واشنطون دي سي

١٤ مارس ٢٠١٥

نون بوست

على بعد آلاف الأميال من الشرق الأوسط تبدو الحيرة على الباحثين والمسؤولين الأمريكيين حيال الخطوات الصحيحة لجلب الاستقرار لهذه المنطقة المنكوبة. سجال فكري قوى يجري داخل أروقة الإدارة الأمريكية ويتردد صداه في المراكز البحثية المختلفة حول مدى وجود “الرغبة” في التدخل لحل مشكلات سوريا ومصر، ويلحقها نقاش آخر حول “القدرة” على ذلك من جهة نجاعة الاستراتيجيات المطروحة في أهدافها. تدور النقاشات بين فريق يدعو إلى حسم الخيارات والتحالف مع النظم القديمة للتخلص من خطر الإسلاميين المتطرفين، يقابله فريق آخر يحذر من العودة إلى السياسات التى انتجت أحداث الحادي عشر من سبتمبر والربيع العربي ويطرح الإنتظار “الإستراتيجي” بديلاً حتى تنضج الظروف للحسم. تكشف هذه السجالات البحثية عجز الدولة القطب عن الحركة الفعالة في مستنقع بلا قرار وتوضح حدود القوى الخارجية على التدخل فى منطقة أقسم أهلها على ألا يتركوها لأحد، حتى لأنفسهم.

يرى جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، بأن الجهاديين خطر على المنطقة ومن أجل التخلص منهم يجب أن تنتهي الحروب التي هى في الحقيقة من أفرزت الفراغ الذي شرعن لوجودهم في المقام الأول. يركز ألترمان على أهمية الدور الأمريكي في الحل، ويقترح استراتيجية جديدة تقوم على قيادة أمريكا لعملية تفاوض طويلة النفس مع اللاعبين على الأرض من جهة وداعميهم الإقليميين من جهة أخرى– وفي نفس الوقت- وذلك من أجل الوصول إلى اتفاق يحقق التوازن بين اللاعبين وينجح في التوفيق بين المصالح المتعارضة. لم يحدد ألترمان ما هية المصالح المتعارضة  وكذلك لم يقدم تفاصيل استراتيجية التفاوض المقترحة. لا نعرف هل ستقوم أمريكا بهذا بشكل جماعي تشاركي مع دول المنطقة، أم منفردة وبشكل ثنائي بينها وبين كل طرف،  بحيث يصبح اتفاقها المرتقب مع إيران باكورة نتائج هذه الاستراتيجية. في حالة كون هذا صحيحاً،  يمكن توقع إبرام أمريكا لاتفاقات ثنائية مع السعودية ومصر وإسرائيل بحيث تنسج كلها خيوط الاستراتيجية الجديدة. كل ما يوضحه ألترمان هنا هو أن مثل هذه الاستراتيجية تحتاج إلى مزيد من  الصبر وكثير من المهارة و قدر غير قليل من الإلتزام.

في مقابل هذه الرؤية ترى كارولين بارنيت، الباحثة في نفس البرنامج، أن الولايات المتحدة غالباً مترددة في التدخل في مصر، وبالتأكيد هي غير قادرة على ذلك في حالة رغبتها. الولايات المتحدة مختلفة مع دول الخليج حول مستقبل مصر ومع ذلك فهي غير قادرة على منعهم من المضي في مسارهم الذي تراه ضاراً. ترى دول الخليج أن مصر يمكن أن تستقر بمزيج من الدعم الاقتصادي، وإقصاء الإسلام السياسي، مع تدعيم نموذج إسلامي مطيع في إطار سلطوي. هذه وصفة كارثية في نظر الولايات المتحدة، فناهيك عن فشلها فى السابق، فهي لا يمكن أن تحقق لمصر أي معدلات مقبولة للنمو في ظل احتياجاتها الهائلة بدون تمثيل سياسي يضمن مشاركة واسعة للجميع بدون استثناء. ترى بارنيت أن الولايات المتحدة عاجزة عن صد هذه المخططات على الرغم من اختلافها معها نظراً لتضاؤل نفوذها في القاهرة. لا ندري إلى أي مدى يتفق جون مع كارولين حول مدى الإرادة والقدرة الأمريكية، لكن من الواضح أن جون يرى ضرورة التدخل وإن كان غامضاً حول اتجاهاته واستراتيجيته ومداه.

مزيد من التفاصيل حول النقاشات الأمريكية يمكن استقاؤها من نقاش صاخب آخر اندلع فى معهد بروكنجز، على بعد أمتار من مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية، حول استراتيجية التدخل في الشرق الأوسط بعدما وصلت الأمور لمستويات مقلقة فى سوريا واليمن ومصر وليبيا. بدأ النقاش بمقالين نشرهما السفير مارتن انديك، نائب رئيس المركز، حول ضرورة حسم أمريكا استراتيجيتها في أحد اتجاهين: إما التحالف مع إيران أو التحالف مع النظم القديمة مثل السعودية ومصر وإسرائيل وتركيا، وذلك من أجل منع انفجار الشرق الأوسط. يرى إنديك أن إيران لن توقف برنامجها النووي، ولن تتوقف عن دعم حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والحوثيين، وكذلك لن تقوم بتفكيك الحرس الثوري وفيلق القدس مهما قدمت لها أمريكا من تنازلات، لذلك لن يمكن التحالف معها. البديل الوحيد المتبقى عندئذ لمواجهة خطر الجهاديين هو التحالف مع السعودية ومصر وتركيا واسرائيل، ومن أجل تحقيق ذلك يجب الصمت على انتهاكات حقوق الإنسان في هذه البلدان حيث أن هذه السياسة تهدد بإغضاب العرب وإسرائيل من أمريكا وتدفعهم إلى العمل بعيداً على حماية أمنهم وتقويض مصالحنا.

لم تمض أيام على مقالة إنديك حتى اشتبكت تمارا ويتس، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في نفس المركز، مع أفكار مديرها المباشر موضحةً اتفاقها مع جزئية عدم إمكان التحالف مع إيران، واختلافها مع ما طَرحهُ بشأن التحالف مع النظم القديمة. ترى تمارا، المسؤولة السابقة عن الربيع العربي في الخارجية الأمريكية، أن هذه النظم التي يقترح التحالف معها هي نفسها من أنتجت الفوضى الحالية برفضها للإصلاح من الداخل، وأنها بالإضافة إلى عجزها وعقمها، أيضاً منقسمة على نفسها بما سيمنعها من إنتاج أي توافق إقليمي مرجو. ترفض تمارا الانجرار لرغبة مارتن بالانخراط الفوري في إقامة حلف ترى أن خطرهُ أكبر من نفعهِ. في مقابل ذلك تقترح الاستمرار في التعامل الفردي مع كل قضية على حدة، وتكثيف العمل مع المجتمعات المحلية عبر إقامة علاقات أقوى مع مكونات ذات تمثيل أكبر للمجتمعات مع تجنب الانخراط فى أي خلافات عربية-عربية، وذلك حتى يظهر لاعبين جدد يمكن الاعتماد عليهم استراتيجيا في تحقيق استقرار يدوم.

انطلق رد تمارا على مارتن من منطلق عملي، بينما أتي رد مايكل أوهانلون، الباحث بشؤون الأمن والاستخبارات بنفس المعهد، عليه طارحاً مسألة أخلاقيةً هامة وهي كيف أن تجاهل الديمقراطية وحقوق الإنسان في السياسة الخارجية يناقض القيم الأمريكية. يرى أوهانلون أنه لا يمكن العودة إلى الماضي ولا يجب إعادة إنتاج ظروف الربيع العربي بالتحالف مع نفس الديكتاتوريات التي أنتجته في المقام الأول. يسير أوهانلون مع تمارا في نفس الخط الذى يرى أن أمريكا قوية بما يكفي وأن الجميع يحتاجها وأن الإنتظار الإستراتيجي هو الحل عن طريق التعامل مع كل مشكلة علي حدة. يمكن مثلاً مقايضة مصر علي تقليص المعونة مقابل حفظ حقوق الإنسان وتحقيق انفتاح سياسي، ويمكن أيضاً الضغط على السعوديين لقبول حكومة تمثيليه في سوريا، وكذلك يمكن تهديد البحرين بسحب الأسطول الخامس في حالة عدم احترام حقوق البدون. قد يكون من الصعب وسم كل ما سبق من سياسات مقترحة من قبل أوهانلون باللاعملية، لكن أوهانلون انطلق في صياغتها كلها من منطلق أخلاقي مستشهداً بمقولة لمارتن لوثر كنج تؤكد على أهمية العمل على تغيير مسار التاريخ في اتجاه العدالة، حتى لو استغرق ذلك بعض الوقت.

قد تبدو مثل هذه الردود مقنعة، وهي كذلك، حتى لمارتن إنديك نفسه الذي نشر رداً قويا على ما ذهب إليه كلاً من تمارا ويتس ومايكل أوهانلون. للمفاجأة، أعلن مارتن إنديك اتفاقهُ التام مع كل ما قالوه، لكنه عاد ليقدم نفس وجهة نظرة من منطلق آخر وهو منطق الضرورة الاستراتيجية واللحظة الحاسمة التي لا وقت فيها للمفاضلة بين الإستقرار والعدالة، ولا الاعتماد على شركاء ضعفاء واستبعاد آخرين أقوياء وموثوقين. بدأ إنديك ماكراً في اللجوء إلى مثل هذا التكتيك، فكأنه يقول لهم: لا وقت لترددكم وعدم حسمكم، عندما يتعلق الأمر بأمن أمريكا القومي ومصالحها العليا سنختار الإستقرار على العدالة وسنفضل الشركاء الأقوياء على الضعفاء فى منطق امبراطوري تقليدي.

لا ندري هل انتهى السجال عند هذا الحد أم ستقوم تمارا ومايكل بالذود عن حُجَجِهِمَا ولا نعرف أيضا حجم تمثيل المتحاورين من المعهدين في الإطار الأمريكي الأوسع، لكننا نعرف أن مثل هذه الأفكار متداولة داخل أروقة الإدارة الأمريكية بكثافة. بشكل عام، يمكن الخلوص من النقاشات الحالية إلى سيادة حالة من عدم الفهم لمآلات تفاعلات المنطقة مترافقة مع عدم ثقة في إمكان التدخل الفعال في ظل هذا الغموض. يحاول البعض في واشنطن خلق حالة من الاستعجال قد تدفع الإدارة للتدخل العاجل بشكل تقليدي أو غير تقليدى. يمثل مارتن إنديك الفريق الأول الذي يقترح العودة إلى التحالفات التقليدية وطمأنة الحلفاء القدامى بالتوقف عن انتقاد مصر والمضي مع السعودية في خططها للإطاحة بالأسد.بينما يمثل كلاً من تمارا ويتس ومايكل أوهانلون الفريق الثاني الذي يرى عدم جدوى العودة إلى الماضى، وعدم إمكان عقد تحالف موسع مستدام في ظل هذه الظروف، وبذلك يكون التدخل انتقائيا ومؤقتاً بغرض تجميد الوضع القائم من الانفجار والتمهيد لحلول طويلة المدى حال نضوج ظروفها. لا يمكن وضع ألترمان كلياً مع المعسكر الأول رغم غموض استراتيجيته “المبتكرة” نظراً لإدراكه لاستحالة العودة إلى الماضي، ولا يمكن وضعه تماماً مع المعسكر الثانى لاختلاف مدخله للحل عنهم، حيث يقترح استراتيجية تفاوض شاملة لإنهاء الحروب وتجفيف منابع الجهاديين.

في العمق من هذه النقاشات تبرز مشكلة عدم وجود حليف يمكن الاعتماد عليه أمريكياً، وهي وإن كانت معضلة أمريكية فهي قضية عربية بالأساس. تنكر النظم المحافظة حقيقة حدوث تغييرات هيكلية كبيرة تمنعها من الحفاظ على استقرارها الداخلي ومواصلة دورها الإقليمي متمثلة في التغييرات الجيلية المترافقة مع فشل سياسات التنمية الاقتصادية واستنفاذ الاحتواء السياسي لحدوده، وهو ما أفرز أجيالاً غاضبة ترفع مطالب جذرية يسهل تحويلها مع تنظيمات جهادية إلى قوى تدميرية. في المقابل، تبدو قوى الإسلام السياسي غير قادرة على استيعاب تناقضات صعودها المفاجئ للمسرح السياسي المحلي والدولي على حد سواء. فمن جهة هي تملك شعبية جارفة وقادرة على اجتذاب الأصوات، لكنها من ناحية أخرى غير قادرة على الحكم منفردة ولا على التواصل الفعال مع النخب القديمة  والنظام الدولي. حتى يستطيع الفرقاء التوصل لتفاهمات حول قضاياهم، ستظل الولايات المتحدة فى تلك الحيرة وستستمر النقاشات في تلك الحلقات المفرغة حتى تستقر رمال المنطقة المتحركة.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s