Uncategorized

رسائل الأستانة الضائعة

عبد الله عرفان

موسكو، ٢٥ مايو ٢٠١٧

كان الاستقبال العام لاتفاقية مناطق التهدئة في سوريا الناجمة عن مؤتمر الأستانة فاتراً في أحسن الأحوال، إن لم يكن متشككاً في الجدوى والجدية بشكل عام. فبينما اتهمتها المعارضة السورية وحزب لاتحاد الوطني الديمقراطي الكردي بتقسيمها لسوريا، ورأت الولايات المتحدة فيها دوراً إيرانياً زائداً، وتجاهلها الاتحاد الأوروبي تماماً. ضاع بين السطور تفصيله صغيرة لكنها هامة للغاية، حيث احتوى الاتفاق على اقتراح باستقدام قوات دولية لمراقبة مناطق التهدئة بالتعاون مع الدول الراعية وهي إيران وتركيا بجانب روسيا. لم تكن هذه أول الرسائل من الأستانة، فقد احتوت مسودة الدستور التي طرحها الروس في آخر ٢٠١٦ على أفكار جديرة بالتفاعل مثل تعزيز تقييد صلاحيات الرئيس بالبرلمان، وإضافة غرفة إضافية للبرلمان لضمان تمثيل الأقليات فيما عرف “بجمعية المناطق.”

هذا كان عن التنازلات المقترحة، لكن كان هناك تنازل آخر فعلي لم يأخذ حظه من النقاش حدث مع بداية اجتماعات الأستانة نهاية العام الماضي وهو الاعتراف بالمعارضة المسلحة والتنازل عن وصفهم بالإرهاب، لا بل ودعوتهم للتفاوض مع النظام على طاولة واحدة بوساطة روسية ووجود تركي. تمثل رومانسية الولايات المتحدة وأوروبا عائقاً أمام التواصل الجاد مع روسيا حيث ينتظرون من الروس التخلي عن الأسد أولا كبادرة حسن نية للتعاون. من ناحيتها، لن تقدم روسيا على الانتحار داخليا وخارجيا بالتخلي عن الأسد بهذا الشكل الفج. تشعر روسيا بالحرج والضغط والحاجة لإنهاء الحرب، لكنها لابد أن تنتهي بشكل يحفظ ماء وجهها، وهذا ما لا تساعدها عليه المعارضة والغرب، ولا هي نفسها كثيراً.

لكن ماذا لو أن الروس يرسلون رسائل مضمرة مراعاة لحساسية موقفهم المبدئي من الحرب وذلك من أجل بدء حوار حول مضمون الانتقال السياسي والمؤسسي ومع ذلك تفشل أو ترفض المعارضة والغرب في التقاطها؟ هذا ما يحدث الآن، وهو مصدر لإطالة الحرب وزيادة الدماء. فحتي لو رأت المعارضة والغرب عدم جدية روسيا، فعليها إحراجها عبر النقاش والتفاعل، لا عبر التجاهل والتعامي.

دأبت روسيا منذ بداية الحرب على تبني رواية النظام بشكل حرفي ووسم كل المعارضة السورية بالإرهاب بدون تمييز. لكن حدث تحول مهم عندما سمحت بوجود ممثلين لجيش الإسلام وفصائل أخرى في اجتماعات جنيف الثالثة في بداية ٢٠١٦ على مضض وبدون تفويت فرصة للتذكير بأصولهم الإرهابية بين حين وآخر. لكن باشتمال اجتماعات الأستانة على ممثلين لفصائل مسلحة سقط التعميم الروسي وبدأت العلاقات المباشرة سواء في الأستانة أو في أنقرة للتنسيق حول تفاصيل اتفاقات وقف إطلاق النار التالية في بداية ٢٠١٧—بغض النظر عن مآلات الاتفاقات ذاتها.

قد يجادل البعض بأن هذا الاعتراف لم يخل من استراتيجية لشق صف الفصائل، وأن الروس لم يتوقفوا عن قصف مناطق المعارضة منذئذ. أو أن الروس يسيرون في مسار مشابه لما طبقوه في الشيشان من حيث استيعاب المسلحين وتحويل ولاءهم لها والبحث عن قاديروف سوري يسيطر على الأوضاع لصالحهم. قد يكون كل هذا صحيحاً أو لا، لكن المسار الذي يصنعه الروس ليس حتميا ويمكن للمعارضة وحلفاءها، خصوصاً تركيا، بحث توسيع تمثيل المعارضة العسكرية وإخضاعها لسيطرة السياسيين، وكذلك مناقشة معايير تصنيف الإرهابيين والطرق المثلي لمحاربتهم بدلاً من الخضوع لأجندة الروس في هذا الخصوص.

جاءت ثاني الرسائل الروسية في محتوي مسودة الدستور السوري المقترح. فإذا تم تجاهل الصياغات الركيكة والغامضة لكثير من مواد المسودة يمكن الخروج بمقترحين أساسيين يمثلان صلب العملية الانتقالية وهما تقييد صلاحيات الرئيس بالبرلمان، وخلق غرفة ثانية للبرلمان تسمي “بجمعية المناطق” تستبدل “الإدارات المحلية”، يجري فيها تمثيل الأقليات بشكل أكثر عدالة وتقييد مركزية الدولة. بهاذين الاقتراحين يحاول الروس تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح مجلس منتخب ممثل للمناطق السورية بحيث يضمن عدم تهميش الأقليات. يمثل هذا التصميم شكلاً مقترحاً للتخلص من مركزية الدولة وتقييد صلاحيات الرئيس المطلقة، سواء كان بشار أو غيره، والذي سيحتاج إلى موافقة مجلس الشعب لتعيين المحكمة الدستورية ورئيس البنك المركزي. كما سيحتاج إلى موافقة جمعية المناطق لإعلان التعبئة العامة أو إعلان الطوارئ، كما تتولي جمعية المناطق مهام الرئاسة في حال عجز الرئيس ورئيس الوزراء.

هناك شياطين كثيرة تكمن في تفاصيل المقترحات، إلا أن لها وجاهة ويجب التعامل معها بجدية. فتوسيع التمثيل السياسي لفسيفساء المجتمع السوري يحتاج إلى مؤسسات مركبة وهو ما يقدمه نظام الغرفتين للبرلمان. كذلك فإن تقييد صلاحيات الرئاسة والحد من المركزية يقتضي تفويض كثير من الصلاحيات لرئيس الوزراء والبرلمان بغرفتيه. نحن أمام نظام نصف-برلماني يمكن التفاوض على شروطه وضمانات التحول له. مازالت هناك كثير من الأسئلة المرتبطة بنظام الانتخاب للغرفتين، والنظام الحزبي، وصلاحيات رئيس الوزراء وطريقة اختياره وعزله ومراقبته. كذلك هناك أسئلة حول صلاحيات كلا الغرفتين وكيفية ضمان عدم التضارب أو التكرار في مهامهم. لا تنتهي الأسئلة بطبيعة اللامركزية المقترحة وما مداها. هل يكتفي بلامركزية إدارية، أم يجب أن نمتد للامركزية مالية تتيح للأقاليم جمع قليل أو كثير من الضرائب لتمويل ما تراه مناسباً من مشروعات؟ يجب أن تتطرق النقاشات بطبيعة الحال إلى تعريف مضمون “المناطق” التي ستشكل هذه “الجمعية” وحدودها والعلاقات بينها وبين المركز. نقاش لا ينتهي، لكننا لم نبدأ فيه بجدية بعد على مائدة التفاوض.

أتت الرسالة الأخيرة من الأستانة كاقتراح لمشاركة قوات دولية في ترتيبات اتفاق مناطق التهدئة الأخير. فلطالما رفض الروس والنظام والإيرانيين مثل هذه الاقتراح في مواقف سابقة، لكن اليوم هاهم الروس يشقون طريقاً مختلفاً عن النظام الذي لم يرفض الفكرة من حيث المبدأ، وإن كان رفض إمكان تواجد قوات للأمم المتحدة في سوريا. تشير أحاديث مع روس مطلعين على أن حتى فكرة تدخل الأمم المتحدة ليست مستبعدة ويجدر نقاشها في المفاوضات الجارية بين الضامنين الثلاثة. تعاونت روسيا في البلقان مع قوات أممية لحفظ السلام بقيادة أمريكية من قبل ولا تجد غضاضة في تكرار ذلك لو أمكن. ربما لا تناسب قيادة الأمريكية للقوات الوضع في سوريا، لكن وجود قوات دول محايدة مطروح للبحث. تعرف روسيا أن مراقبة المناطق أمر عويص لن تستطيع إتمامه منفردة، خصوصاً مع نظام متملص وإيران غير متعاونة. تحتاج روسيا إلى مساعدة، لكن كبرياءها يمنعها من التصريح، وربما أفعالها لا تشجع الآخرين على مد يد العون.

لا نحتاج إلى التذكير بأهمية بدء روسيا في اتخاذ إجراءات بناء ثقة من أجل مساعدة الآخرين علي التعاون معها. لكن للحقيقة أيضاً أن جزءاً كبيراً من الفشل يتعلق بتفاوت قدرات الروس الدبلوماسية مقارنة بتلك بالعسكرية. تحتاج روسيا إلى تطوير دبلوماسية أكثر تعقيداً من أجل مراعاة الحساسيات بين الأطراف المتناقضة. على سبيل المثال، لم تخل عملية تقديم الدستور للمعارضة في مؤتمر الأستانة من عدم لياقة في التقديم كما وصفها كثير من المعارضين، كما لم تخل صياغة المسودة ولا ترجمتها للعربية من رداءة، وكذلك لم يتبع طرح المسودة أي تسويق للأوروبيين أو الأمريكان. يخبرني محدثي الروسي باستياء عن تجاهل الدبلوماسية الروسية لخبرات باحثين روس واعتمادهم علي كوادر تنقصها الخبرة في كثير من الأحيان. هذا يتسق مع حقيقة حداثة عهد الروس المعاصرين بالشرق الأوسط بعد انهيار مؤسساتهم المعنية بفهم والتواصل مع الشرق الأوسط منذ بداية التسعينات.

من المفيد إذن تمييز منتجات الروس السياسية عن عملية تسويقها من أجل فهمهم والتواصل معهم بشأن سوريا، وربما غيرها، بفعالية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s